د. محمد شمص /الخنادق
شهدت الجولة الأولى من المفاوضات بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية في إسلام آباد نهاية متوقعة أكثر منها مفاجئة، في ظل تاريخ طويل من الصراع امتد نحو47 عاما، وتعقيدات سياسية واستراتيجية لا يمكن اختزالها في جلسة واحدة استمرت نحو 21 ساعة. فالمحادثات، التي جرت في أجواء يغلب عليها انعدام الثقة، أفضت إلى تفاهمات محدودة حول بعض النقاط الإجرائية، لكنها اصطدمت بعقبتين أساسيتين حالت دون الوصول إلى اتفاق شامل، مضيق هرمز (وربطه بوحدة الجبهات ضمنا) وتصفير اليورانيوم وفق موقع اكسيوس الأميركي.
وقف إطلاق النار في لبنان شرط إيران في المفاوضات
لقد دخل الوفد المفاوض الإيراني هذه الجولة بثقة عالية، مستندًا إلى تفويض وإرادة شعبية عارمة، وقناعة راسخة بموقع قوة، سواء من خلال إنجازاته الميدانية و أوراقه الإقليمية أو سيطرته على مفاصل استراتيجية حساسة، وعلى رأسها مضيق #هرمز. هذا المضيق لم يكن مجرد تفصيل في المفاوضات، بل شكّل "العقبة الكأداء" التي أفشلت التقدم، حيث تمسكت طهران بربط إعادة فتحه بتسوية شاملة في المنطقة، تشمل ملفات أوسع أي وقف اطلاق النار الشامل والكامل على كافة الجبهات لا سيما في جبهة لبنان تحديدا، حيث أصر الوفد الايراني على تطبيق وقف إطلاق النار في لبنان إلا أن موقف الحكومة اللبنانية الذي رفض أن يكون لبنان جزءا من وقف اطلاق النار بين #إيران و #امريكا، أدى الى تعقيد المشهد وتذرع الأميركيين به والقبول الجزئي للشرط الإيراني، ذلك بخفض التصعيد ووقف الضربات الإسرائيلية في بيروت والضاحية الجنوبية فقط، وقد تعاملت واشنطن مع هذين الملفين مضيق هرمز ووقف إطلاق النار في لبنان كأولوية منفصلة، ما عكس فجوة عميقة في الرؤية بين الطرفين، بل كانت من أهم الأهداف التي أدّت الى فشل المفاوضات.
إيران ترفض الخضوع للشروط الأميركية
كان الموقف الأمريكي متعنتاً إلى حد كبير، حيث دخلت واشنطن بسقف مطالب مرتفع وغير واقعي، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وتصفير تخصيب اليورانيوم، مع إصرار واضح على الحصول على تعهد بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، وهي قضية سالبة بانتفاء الموضوع لأن إيران لا تمتلك ولا تريد ان تمتلك سلاحًا نوويًا، غير أن هذا الطرح، القائم على منطق "الشروط المسبقة عالية السقف"، قوبل برفض إيراني حازم، عبّر عنه الوفد الإيراني المفاوض، معتبراً أن أي مفاوضات لا يمكن أن تنجح إذا انطلقت من فرض الإملاءات بدل البحث عن أرضية مشتركة. وفي السياق، رد وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف على تصريح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس في تغريدة على منصة xقائلاً: على الولايات المتحدة أن تتعلم: لا يمكنك فرض شروطك على إيران، لم يفت الأوان بعد للتعلم"، وكان دي فانس ادعى ان سبب فشل المفاوضات هو رفض إيران التعهد بعدم امتلاك سلاح نووي، مؤكدا ان هذه "النتيجة" أسوء للإيرانيين من الأميركيين.
استراحة محارب أم تمهيد لجولة جديدة من التفاوض؟
هذا التباين بين "قوة المنطق" الإيرانية و"عناد الشروط" الأمريكية أدى عمليًا إلى إفشال الجولة الأولى، دون أن يعني ذلك انهيار المسار التفاوضي بالكامل. فالمعطيات تشير إلى أن ما جرى هو أقرب إلى مرحلة جسّ نبض متبادل، سعى خلالها كل طرف إلى استكشاف حدود الطرف الآخر، وتحديد خطوطه الحمراء. ومن هنا، فإن استمرار الاتصالات والمشاورات، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين، يبدو احتمالًا واقعيًا، بل ومرجحًا.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الهدنة المحددة بـ 15 يومًا لم تكن سوى إطار زمني أولي يسمح بإعادة تقييم المواقف، وفتح الباب أمام جولات لاحقة قد تكون أكثر نضجًا. وغالبًا ما تلعب هذه المرحلة دورًا حاسمًا في بناء أرضيات مشتركة تدريجية، خاصة إذا ما نجح الوسطاء في تضييق فجوات الخلاف.
ومع ذلك، يبقى احتمال التصعيد العسكري قائمًا، وإن لم يكن الخيار المفضل لدى الطرفين في هذه المرحلة. فإيران، التي تبدو وكأنها في "استراحة محارب"، استغلت الوقت لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز قدراتها وتذخير أسلحتها، فيما تدرك الولايات المتحدة أن أي مواجهة جديدة في ظل تعقيدات الإقليم تحمل كلفة عالية وغير مضمونة النتائج. هذا التوازن الحذر بين الاستعداد للمواجهة والرغبة في التفاوض يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث تتداخل الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية. ويبقى أن العدو الاسرائيلي المتضرر الأول من نجاح مفاوضات اسلام آباد عامل التصعيد والتفجير الذي يسعى لإعادة المنطقة الى دائرة الحرب الإقليمية والتي لم تخرج منها أساساً، فمهلة ال15 يوما هي هدنة وليست وقفاً لاطلاق النار، ما يعني أننا ما زلنا في حالة الحرب.
خلاصة القول، إن فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد لا يعكس انسداد الأفق، بقدر ما يعكس عمق الخلافات وتعقيد الملفات المطروحة. فالمسار لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة: من استئناف المفاوضات بجولات جديدة أكثر واقعية، إلى الانزلاق نحو تصعيد كبير في الجولة الثانية من الحرب. وبين هذين الخيارين، يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية وتأثيرًا، ليس فقط على مسار التفاوض، بل على استقرار الاقتصاد العالمي بأسره.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الطرفين على الانتقال من منطق الشروط إلى منطق التسويات، ومن إدارة الصراع إلى محاولة احتوائه، وفي هذا الإطار، جاءت تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر #قاليباف لتؤكد هذا المنحى، حيث قال:"قبل بدء المفاوضات، أكدت أننا نمتلك حسن النية والإرادة اللازمة، لكننا لا نثق بالطرف الآخر بسبب تجارب الحربين السابقتين. أعضاء الوفد الإيراني قدموا مبادرات إيجابية وتقدمية، لكن الطرف الآخر لم يتمكن في النهاية من كسب ثقة الوفد الإيراني في هذه الجولة من المفاوضات. أدركت أمريكا منطقنا ومبادئنا، والآن حان الوقت لتقرر ما إذا كانت قادرة على كسب ثقتنا أم لا. نحن نعتبر دبلوماسية القوة والاحترام طريقة أخرى إلى جانب الكفاح العسكري لنيل حقوق الشعب الإيراني، ولن نتوقف لحظة واحدة عن السعي لتثبيت إنجازات الأربعين يوماً من الدفاع الوطني الإيراني".
كما هنأ رئيس السلطة القضائية الإيرانية آية الله الشيخ محسن ايجه إي المفاوضين الإيرانيين بالقول: "كنتم حماة حقوق الميدان، أجركم عند الله".